محمد راغب الطباخ الحلبي
124
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
بالعجائب ، وربما ينكر الفقهاء أنهم على شيء من المقامات لما يرون من سقوط التكليف عنهم ، والولاية لا تحصل إلا بالعبادة ، وهو غلط ، فإن فضل اللّه يؤتيه من يشاء ، ولا يتوقف حصول الولاية على العبادة ولا غيرها ، وإذا كانت النفس الإنسانية ثابتة الوجود فاللّه تعالى يخصها بما شاء من مواهبه . وهؤلاء القوم لم تعدم نفوسهم الناطقة ولا فسدت كحال المجانين ، وإنما فقد لهم العقل الذي يناط به التكليف ، وهي صفة خاصة للنفس ، وهي علوم ضرورية للإنسان يشتد بها نظره ويعرف أحوال معاشه واستقامة منزله ، وكأنه إذا ميز أحوال معاشه واستقامة منزله لم يبق له عذر في قبول التكاليف لإصلاح معاده ، وليس من فقد هذه الصفة بفاقد لنفسه ولا ذاهل عن حقيقته ، فيكون موجود الحقيقة معدوم العقل التكليفي الذي هو معرفة المعاش ، ولا استحالة في ذلك ، ولا يتوقف اصطفاء اللّه عباده للمعرفة على شيء من التكاليف . وإذا صح ذلك فاعلم أنه ربما يلتبس حال هؤلاء المجانين الذين تفسد نفوسهم الناطقة ويلتحقون بالبهائم ، ولك في تمييزهم علامات ، منها أن هؤلاء البهاليل تجد لهم وجهة مالا يخلون عنها أصلا من ذكر وعبادة ، ولكن على غير الشروط الشرعية لما قلناه من عدم التكليف ، والمجانين لا تجد لهم وجهة أصلا . ومنها أنهم يخلقون على البله من أول نشأتهم ، والمجانين يعرض لهم الجنون بعد مدة من العمر لعوارض بدنية طبيعية ، فإذا عرض لهم ذلك وفسدت نفوسهم الناطقة ذهبوا بالخيبة . ومنها كثرة تصرفهم في الناس بالخير والشر لأنهم لا يتوقفون على إذن لعدم التكليف في حقهم ، والمجانين لا تصرف لهم ا ه . وقال فريد وجدي في كتابه « كنز العلوم واللغة » : من الناس من يزعم أن النواميس الطبيعية لا تتخلف عن إحداث آثارها مطلقا ، وكل ما يروى لهم من الخوارق يكذبون به أو يؤولونه ، وليس لهم على ذلك من حجة ناهضة إلا دعواهم بأن لا موجود غير المادة المحسوسة وما غاب عن حسهم فما هو إلا قواها وحركاتها . وهذه دعوى لا تليق أن تقال على هذا الأسلوب الكبريائي إلا ممن يكون قد حضر خلقة الكون من أوله إلى آخره « 1 » وعلم أن لا موجود فيه غير ما تحسه مشاعرنا القاصرة ، ولكن هنالك رجال قام الوجود نفسه بالشهادة لصدقهم ، قالوا : إن للّه ملائكة ومخلوقات
--> ( 1 ) واللّه تعالى يقول في كتابه المبين : ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ .